حسن حسني عبد الوهاب

67

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

المدينة المنوّرة لم يكن له مأذنة حين تأسيسه ، فالأذان للصلاة المفروضة كان يقع من أعلى سطح المسجد أو الجامع وفي مكان معين منه حسبما جرت به العادة من أيام صاحب الشريعة المطهرة ، وقد شاع اتخاذ المآذن لأول مرة في الشام في عصر الخلفاء من بني أمية وخصوصا في مدة عمر بن عبد العزيز ، وهو الذي أدخل على المساجد الإسلامية في زمن خلافته تغييرا كبيرا في نظامها الداخلي وفي طرازها المعماري . أما مأذنة الزيتونة الحالية فإنها شيدت في سنة 1312 ه ( 1894 م ) على طراز مأذنة القصبة ، وقد عوّضت سالفتها الحفصية التي كانت في غاية البساطة . والجدير بالملاحظة أن الأروقة الأربعة - وتسمى المجنّبات - المحيطة الآن بصحن الجامع لم تكن - هي أيضا - من الوضع الأغلبي الأصلي ، بل هي من المحدثات التي زيدت فيه في مدة الدولة الصنهاجية كما ستراه بعد ، ومما يثبت ذلك أن الكتابة التذكارية البارزة حروفها والتي رسمها الأمير الأغلبي على واجهة بيت الصلاة كانت أولا تمتدّ على بقية جدران الصحن الأربعة ، نظير ما يرى إلى الآن في صحن جامع مدينة سوسة ، ومثلما كان يشاهد قديما بجدران جامع القيروان . وغير خفي أن الأمراء من بني خراسان - ولا سيما عبد العزيز منهم - وجّهوا عناية كاملة لإدخال تحسينات معتبرة على الزيتونة ، إذ كانت المفخرة الجليلة لعاصمة إمارتهم ، ومن ضمن ذلك أنهم زادوا في عدد أبوابها فصيّروا عدّتها اثني عشرة بينما كانت في البناء الأغلبي ستة أبواب فقط ، وعلى بعض هذه الزيادات ألواح تذكارية تشير إلى مؤسسها من بني خراسان . وأمر مهم آخر يحسن الالتفات إليه وهو أن منبر الزيتونة هو من الصنع الأغلبي يقينا ، وإن كان ظاهره يقتضي نسبته إلى عصر متأخر ، غير أن المتأمّل بتدقيق في نقش أخشابه وفي أشكال زخرفه يدرك حالا أنه في أصله شبيه أخيه منبر جامع القيروان ، وإن كان الأول أقل زركشة وإتقانا من الثاني . وبالزيتونة ألواح كبيرة من المرمر أو من الحجارة ، مختلفة الأحجام ومزخرفة